أحمد مصطفى المراغي

30

تفسير المراغي

وفي تقديم أكل الطيبات على العمل الصالح إيماء إلى أن العمل الصالح لا يتقبّل إلا إذا سبق بأكل المال الحلال . و جاء في بعض الأخبار « إن اللّه تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام » وصح أيضا « أيّما لحم نبت من سحت فالنار أولى به » . ثم علل هذا الأمر بقوله : ( إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) أي إني بأعمالكم عليم ، لا يخفى على شئ منها ، وأنا مجازيكم بجميعها ، وموفّيكم أجوركم ، وثوابكم عليها ، فخذوا في صالح الأعمال ، واجتهدوا قدر طاقتكم فيها ، شكرا لربكم على ما أنعم به عليكم وفي هذا تحذير من مخالفتهم ما أمروا به ، وإذا قيل للأنبياء ذلك فما أجدر أممهم أن تأخذ حذرها ، وترعوى عن غيها ، وتخشى بأس اللّه وشديد عقابه . ( وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) أي وإن دينكم معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة ، وهو الدعوة إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له . واختلاف الشرائع والأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال لا يسمى اختلافا في الدين ، لأن الأصول واحدة . ( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) أي وإني أنا ربكم لا شريك لي في الربوبية فاحذروا عقابي وخافوا عذابي . وفي هذا إيماء إلى أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة اللّه واتقاء معاصيه . ثم بين أن أمم أولئك الرسل خالفوا أمر رسلهم واتبعوا أهواءهم وجعلوا دينهم فرقا وشيعا فقال : ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) أي فتفرق أتباع الأنبياء فرقا وجماعات ، وأصبح كل فريق معجبا بنفسه ، فرحا بما عنده ، معتقدا أنه الحق الذي لا معدل عنه .